القاضي عبد الجبار الهمذاني

6

تثبيت دلائل النبوة

آلافهم ، وقال لهم : اللّه ارسلني واصطفاني من العالمين ، وجعلني حجة على كل من بلغته دعوتي من الأولين والآخرين ، وجعلني خاتم النبيين وآخر المرسلين ، وإن ديني يظهر على الأديان كلها ، وان كلمتي وكلمة اتباعي تعلو ، وإنهم هم الغالبون القاهرون المالكون . وهو إذ ذاك فقير وحيد ، أجير معيل ، قد اغضبهم وغاظهم بهذه / الدعوة ، وألبسهم الذل مع وحدته ، وبالغ في إسخاطهم ، فنهوه وزجروه ، بعد ان عاتبوه وعذلوه ؛ ثم توعدوه بالاستئصال والبوار ، بعد ان رغبوه . فغلبهم على امره ، وقال : إني قد قلت لربي حين ارسلني : إني ان قلت هذا لقريش رضخوا رأسي ، فقال لي : قل ، وبلغهم ، فسيغضبهم ذلك ، وسيبعثون مكروههم عليك ، وسيتحزبون ويجلبون « 1 » في عداوتك ، ويجمعون العساكر لحربك ، فأعصمك منهم ، وأبعث جنودا لك منهم ومن غيرهم ، فتكون العقبى لك ، فقال هذا وما هو أشد منه . يعلم ذلك كل من سمع اخباره ممن صدقه أو كذّبه ، وهو لا يعتصم بمخلوق ، ولا يصوب ملكا من ملوك عصره ، ولا يلوذ بأحد من البشر . بل قد رماهم كلهم عن قوس واحدة بالعداوة ، وأسخطهم أجمعين ، وبعثهم بهذا الصنيع على عداوته . ثم ما رضي ان يجعل ذلك قولا ثم صفحا ، بل خلده ودوّنه ، وجعله كتابا يقرأ ، وقرآنا يتلى ، يسمعه عدوه وقال : ربي قال لي ، وربي وربكم أوحى به إليّ ، فقال : « وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ « 2 » » وقال : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ

--> ( 1 ) جلب ، توعد بالشر ( 2 ) الاسراء 60